السيد كمال الحيدري

243

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

الاستغلال السياسي حين نأخذ هذه الملاحظة المزدوجة بنظر الاعتبار سيكون من السهل أن نلحظ تدخّلات السلطة في الدولة الإسلامية المبكِّرة ليس في تشويه عقيدة القضاء والقدر وحدها وقلبها إلى ضدّها ، بل في تشويه عدد كبير آخر من المفردات الدينية وتفريغها من محتواها التغييرى وطاقاتها الثورية كما هو الحال في الصبر والتوكّل والزهد والقناعة والتقيّة والشفاعة والإيمان بالمهدى وانتظار الفرج والجبر والتفويض وخلق القرآن والإمامة والشورى والإيمان باليوم الآخر إلى عشرات المفاهيم العقيدية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية . بقدر ما يتعلّق الأمر بموضوع البحث فقد كتب كثيرون عن استغلال السلطة الأموية ( 132 40 ه ) تأريخياً لعقيدة القضاء والقدر من خلال إعادة إنتاجها في شكل تيّار فكرىّ فرقىّ برز باسم المرجئة « 1 » ، تحوّل إلى سند يسبغ الشرعية على ممارسات الملكية الأموية « 2 » ، وذلك على خلفية الفصل بين « الإيمان » و « العمل » وجعل الأوّل هو المعيار حيث لا تضرّ مع الإيمان معصية ، ثمّ إرجاء

--> ( 1 ) المرجئة فرقة تعتقد أنّه لا يضرّ مع الإيمان معصية ولا ينفع مع الكفر طاعة ، وقد سمّوا مرجئة لاعتقادهم أنّ الله أرجأ تعذيبهم على المعاصي ، وقيل : لأنّهم يرجئون العمل عن النيّة ؛ أي يؤخّرونه ، كما قيل غير ذلك . ينظر مثلًا : كتاب المنية والأمل في شرح الملل والنحل ، أحمد بن يحيى بن المرتضى اليماني المتوفى 840 ه ، تحقيق د . محمد جواد مشكور ، مؤسسة الكتاب الثقافية ، 1988 ، ص 24 ، 114 113 . ( 2 ) ينظر ممّن درس الاستغلال الأموي للقضاء والقدر باسم الإرجاء والفكر الجبري : تيّارات الفكر الإسلامي ، د . محمد عمارة ، ط 2 ، دار الشروق ، القاهرة 1418 ه ، ص 33 فما بعد ؛ مسلمون ثوّار ، محمّد عمارة ، طبعة المؤسّسة العربية للدراسات والنشر ؛ بيروت ، 1974 ، ص 55 فما بعد ؛ الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل ، ج 1 ، ص 510 فما بعد .